أمراض نفسية

الجلوس لفترات طويلة والخرف: هل يزيد الجلوس أكثر من 10 ساعات الخطر؟

أصبح الجلوس لساعات طويلة جزءًا من يوم كثير من الناس، سواء في العمل أو أثناء التنقل أو أمام الشاشات. لكن العلاقة بين الجلوس لفترات طويلة والخرف تستحق الانتباه، لأن دراسات حديثة تشير إلى أن ارتفاع إجمالي وقت الخمول اليومي قد يرتبط بزيادة احتمال الإصابة بالخرف لدى كبار السن، خصوصًا عندما يقترب من 10 ساعات يوميًا أو يتجاوزها.

ما المقصود بالسلوك الخامل؟ ولماذا لا يعني فقط عدم ممارسة الرياضة؟

السلوك الخامل هو الوقت الذي نقضيه مستيقظين مع استهلاك منخفض جدًا للطاقة، غالبًا أثناء الجلوس أو الاستلقاء. لذلك قد يمارس شخص الرياضة عدة مرات في الأسبوع، لكنه يقضي في الوقت نفسه معظم ساعات يومه جالسًا.

وهنا تكمن نقطة مهمة في موضوع الجلوس لفترات طويلة والخرف: النشاط البدني والخمول ليسا الشيء نفسه تمامًا. منظمة الصحة العالمية توصي البالغين بالحد من الوقت الخامل واستبدال جزء منه بحركة من أي شدة، بما في ذلك النشاط الخفيف، إلى جانب ممارسة النشاط البدني المنتظم.

كم ساعة من الجلوس ترتبط بارتفاع خطر الخرف؟

في دراسة منشورة في مجلة JAMA عام 2023، حلل الباحثون بيانات 49,841 مشاركًا من UK Biobank، جميعهم بعمر 60 عامًا فأكثر ولم يكونوا مصابين بالخرف عند قياس النشاط. واستُخدمت أجهزة تُلبس على المعصم لتقدير وقت السلوك الخامل خلال اليوم.

عند مقارنة النتائج بمتوسط مرجعي بلغ نحو 9.27 ساعات من الخمول يوميًا، قُدِّرت نسب الخطر على النحو التالي:

  • 10 ساعات يوميًا: نسبة خطر تقارب 1.08.
  • 12 ساعة يوميًا: نسبة خطر تقارب 1.63.
  • 15 ساعة يوميًا: نسبة خطر تقارب 3.21، مع قدر أكبر من عدم اليقين لأن عدد الأشخاص في هذه المستويات العالية كان أقل.

وعند تقسيم المشاركين إلى مجموعات، ظهرت الزيادة ذات الدلالة الإحصائية بوضوح في المجموعة التي سجلت نحو 10.4 ساعات أو أكثر من السلوك الخامل يوميًا مقارنة بالمجموعة المرجعية.

المهم: هذه دراسة رصدية، أي إنها تكشف ارتباطًا ولا تثبت أن الجلوس هو السبب المباشر للخرف. كما أن رقم 10 ساعات ليس «خطًا أحمر» يبدأ عنده المرض فجأة، بل نقطة ظهرت حولها زيادة أوضح في الخطر داخل هذه العينة من كبار السن.

كيف يمكن أن ترتبط كثرة الجلوس بصحة الدماغ؟

لا توجد آلية واحدة مؤكدة تفسر العلاقة بالكامل، لكن توجد مسارات محتملة تساعد على فهمها. فالسلوك الخامل المرتفع يرتبط بمشكلات استقلابية وقلبية وعائية يمكن أن تؤثر بدورها في صحة الدماغ.

1. تأثيرات استقلابية مثل مقاومة الإنسولين والسكري

قلة الحركة ترتبط بزيادة احتمال اضطراب حساسية الإنسولين وارتفاع سكر الدم وتطور داء السكري من النوع الثاني. وهذه المشكلات لا تؤثر في الجسم فقط، بل ترتبط أيضًا بصحة الأوعية الدموية والدماغ على المدى الطويل.

2. ارتفاع ضغط الدم وأمراض الأوعية

تُعد السيطرة على ضغط الدم وسكر الدم والكوليسترول جزءًا مهمًا من خفض عوامل الخطر القابلة للتعديل المرتبطة بالخرف. وتوضح إرشادات منظمة الصحة العالمية المحدثة عام 2026 للحد من خطر التدهور المعرفي والخرف أن النشاط البدني ومعالجة عوامل الخطر القلبية والاستقلابية يدخلان ضمن الاستراتيجيات المدعومة بالأدلة للوقاية أو التأخير.

3. الخرف ليس مرادفًا لمرض ألزهايمر

الخرف مصطلح يصف مجموعة من الاضطرابات التي تؤثر في الذاكرة والتفكير والقدرة على أداء الأنشطة اليومية، بينما يُعد مرض ألزهايمر أكثر أسباب الخرف شيوعًا. لذلك فإن دراسة JAMA المذكورة بحثت خطر الخرف بمختلف أسبابه، ولم تثبت أن الجلوس الطويل يؤدي مباشرة إلى ألزهايمر.

هل ممارسة الرياضة تعوض الجلوس لساعات طويلة؟

ليس من الأفضل النظر إلى الأمر على أنه اختيار بين الرياضة وتقليل الجلوس. في دراسة JAMA، ظل الارتباط بين المستويات العالية من السلوك الخامل والخرف قائمًا حتى بعد أن عدّل الباحثون النتائج وفق الوقت الذي قضاه المشاركون في النشاط البدني المتوسط إلى الشديد. وهذا لا يعني أن الرياضة غير مفيدة؛ بل يعني أن زيادة الحركة خلال اليوم وتقليل الخمول قد يكونان هدفين منفصلين ومتكاملين.

وتنصح منظمة الصحة العالمية في إرشادات النشاط البدني والسلوك الخامل البالغين بممارسة 150 إلى 300 دقيقة من النشاط الهوائي متوسط الشدة أسبوعيًا، أو 75 إلى 150 دقيقة من النشاط الشديد، مع تمارين تقوية العضلات يومين أو أكثر أسبوعيًا، والحد من الوقت الذي يُقضى في الخمول قدر الإمكان.

كيف تقلل وقت الجلوس خلال اليوم بطريقة واقعية؟

لا تحتاج إلى تحويل يومك بالكامل إلى تمارين. الفكرة الأساسية هي تقليل الساعات المتواصلة من الخمول واستبدال جزء منها بحركة بسيطة يمكن تكرارها.

  • قف أو امشِ قليلًا أثناء المكالمات الهاتفية عندما يكون ذلك ممكنًا.
  • استخدم الدرج بدل المصعد لبعض الطوابق إذا كانت حالتك الصحية تسمح بذلك.
  • أضف مشيًا قصيرًا بعد بعض الوجبات أو بين فترات العمل.
  • ضع تذكيرًا للحركة على فترات منتظمة إذا كنت تنسى النهوض أثناء العمل.
  • اجعل بعض المهام اليومية، مثل التسوق أو الأعمال المنزلية، فرصة لزيادة الحركة.
  • إذا كنت تبدأ برنامجًا رياضيًا شديدًا بعد فترة طويلة من الخمول أو لديك مرض مزمن، استشر مختصًا صحيًا بشأن المستوى المناسب لك.

هل التغذية مهمة أيضًا للوقاية من الخرف؟

نعم، لكن لا توجد مادة غذائية واحدة تمنع الخرف. وفق منظمة الصحة العالمية، تشمل الإجراءات المرتبطة بخفض عوامل الخطر: النشاط البدني، وتجنب التدخين والاستخدام الضار للكحول، واتباع غذاء صحي ومتوازن، والحفاظ على وزن مناسب، وضبط ضغط الدم والكوليسترول وسكر الدم، والبقاء نشطًا اجتماعيًا وذهنيًا.

لذلك من الأفضل التعامل مع الجلوس لفترات طويلة والخرف ضمن صورة أوسع: تقليل الخمول مهم، لكنه ليس العامل الوحيد الذي يحدد صحة الدماغ أو احتمال الإصابة بالخرف مستقبلًا.

 

رغد مطفي

صحفية متخصصة في التقارير الصحية والطبية وملفات الدواء والتغذية، وذات تأهيل أكاديمي في المجال الطبي. تتابع يوميًا أحدث الأخبار والمستجدات الصحية، مع اهتمام خاص بالموضوعات التوعوية، والتطورات العلمية، وقضايا الصحة العامة. تجمع في عملها بين الفضول الصحفي والمعرفة الطبية والاهتمام بالبحث العلمي، وتعتمد نهجًا دقيقًا ومبسطًا يستند إلى الخبرة والمصادر العلمية الموثوقة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى