تغذية

القرفة والذاكرة: هل تساعد القرفة على تحسين الذاكرة وصحة الدماغ؟

تدخل القرفة في كثير من الأطعمة والمشروبات اليومية، لكن هل يمكن أن تساعد فعلاً في دعم الذاكرة والتعلم؟ مراجعة منهجية جمعت الأدلة المتاحة حول القرفة والذاكرة وجدت نتائج واعدة في المختبر وعلى الحيوانات، بينما بقيت الأدلة لدى البشر محدودة جداً وغير حاسمة.

الخلاصة السريعة:
تشير الدراسات المخبرية والحيوانية إلى أن القرفة وبعض مركباتها قد تؤثر إيجابياً في التعلم والذاكرة، لكن لا توجد حتى الآن أدلة بشرية كافية لإثبات أنها تحسن الذاكرة أو تقي من ألزهايمر. من أصل 40 دراسة شملتها مراجعة منهجية، كانت دراستان فقط سريريتين، وجاءت نتائجهما محدودة ومتباينة. لذلك لا ينبغي اعتبار القرفة علاجاً أو وسيلة مثبتة للوقاية من التدهور المعرفي.

ماذا قالت مراجعة 40 دراسة عن القرفة والذاكرة؟

في مراجعة منهجية نُشرت في مجلة Nutritional Neuroscience، بحث العلماء في 2605 سجلات علمية جُمعت من قواعد بيانات متعددة، ثم استوفى 40 بحثاً فقط معايير الإدراج النهائية. وتوزعت الدراسات إلى 33 دراسة in vivo، وخمس دراسات in vitro، ودراستين سريريتين فقط. ويمكن الاطلاع على ملخص المراجعة عبر PubMed.

هذا التوزيع مهم عند تفسير النتائج؛ فوجود عدد كبير من الدراسات الحيوانية والمخبرية لا يعني أن التأثير نفسه سيظهر لدى البشر. لذلك تبدو النتائج الحالية أقرب إلى فرضية علمية واعدة تحتاج إلى تجارب بشرية أقوى، وليست دليلاً على أن تناول القرفة يومياً سيحسن الذاكرة.

كيف يمكن أن تؤثر القرفة في الذاكرة والتعلم؟

ركزت الدراسات قبل السريرية على القرفة نفسها وعلى مركبات موجودة فيها، مثل السينمالدهيد وحمض السيناميك والأوجينول. ووفق المراجعة، أظهرت تجارب حيوانية نتائج إيجابية في بعض اختبارات التعلم والذاكرة، كما أشارت تجارب خلوية إلى أن القرفة أو السينمالدهيد قد يقللان تراكم بروتين تاو والأميلويد بيتا ويزيدان بقاء الخلايا.

ما علاقة بروتين تاو والأميلويد بيتا بمرض ألزهايمر؟

يرتبط تراكم بروتين تاو والأميلويد بيتا بآليات مرضية مهمة في مرض ألزهايمر. لكن انخفاض هذه التراكمات في الخلايا أو النماذج الحيوانية لا يثبت أن القرفة تمنع المرض لدى الإنسان أو تعالجه. هذه النتائج تساعد الباحثين على فهم آليات محتملة، لكنها لا تكفي لتقديم توصية علاجية.

ماذا أظهرت الدراسات البشرية عن القرفة والذاكرة؟

هنا تصبح الصورة أكثر تحفظاً؛ فالمراجعة وجدت دراستين بشريتين فقط، ولكل منهما قيود واضحة.

دراسة العلكة بنكهة القرفة لدى التلاميذ

شملت إحدى الدراسات 22 تلميذاً في الصف الخامس، ودرست تأثير مضغ علكة بنكهة القرفة لمدة 5 أو 10 أو 15 دقيقة أثناء تعلم كلمات لاختبار الإملاء. ارتبطت مدة 15 دقيقة بنتائج أفضل مقارنة بمدتي 5 و10 دقائق، لكن الدراسة لم تثبت أن القرفة نفسها هي سبب التحسن؛ فقد يكون لمضغ العلكة أو تصميم التجربة أو عوامل أخرى دور في النتيجة. كما لم تسجل الدراسة تحسناً معنوياً واضحاً في مقاييس المزاج والشعور.

دراسة لدى أشخاص مصابين بمقدمات السكري

في تجربة مزدوجة التعمية شملت 48 شخصاً بعمر 60 عاماً أو أكثر لديهم مقدمات السكري غير المعالجة، تناول المشاركون جرعة واحدة من الكركم أو القرفة أو كليهما أو دواءً وهمياً مع إفطار من الخبز الأبيض. لم تؤدِّ جرعة القرفة وحدها، وكانت 2 غرام، إلى تحسن معنوي في الذاكرة العاملة خلال فترة المتابعة التي امتدت ست ساعات، بينما ظهرت إشارة إيجابية مع الكركم. تفاصيل الدراسة متاحة عبر PubMed.

هل تحمي القرفة من مرض ألزهايمر؟

لا توجد حالياً أدلة سريرية كافية للقول إن القرفة تقي من مرض ألزهايمر أو تؤخر تطوره. النتائج المتعلقة ببروتين تاو والأميلويد بيتا جاءت أساساً من تجارب مخبرية وما قبل سريرية، ولا يمكن تحويلها مباشرة إلى توصية للإنسان. لذلك من الأدق وصف العلاقة بين القرفة والذاكرة بأنها مجال بحث واعد، لا علاجاً مثبتاً.

هل من الآمن تناول القرفة يومياً؟

تُعد القرفة آمنة على الأرجح عند استخدامها بالكميات المعتادة في الطعام. أما تناول كميات كبيرة أو استخدام مكملات مركزة لفترات طويلة فقد يسبب مشكلات لدى بعض الأشخاص. ويشير المركز الوطني الأمريكي للصحة التكميلية والتكاملية (NCCIH) إلى أن قرفة الكاسيا قد تحتوي على كميات متفاوتة من الكومارين، وهي مادة قد تكون مصدر قلق خصوصاً لدى المصابين بأمراض الكبد عند التعرض لكميات مرتفعة مدة طويلة.

يمكن إضافة كمية معتدلة من القرفة إلى الزبادي أو الشوفان أو التفاح أو بعض المشروبات كجزء من النظام الغذائي المتوازن، لكن لا توجد جرعة مثبتة علمياً لتحسين الذاكرة. وإذا كنت تتناول أدوية بانتظام، أو تعاني مرضاً في الكبد، أو تفكر في استخدام مكملات القرفة بجرعات مرتفعة، فمن الأفضل استشارة الطبيب أو الصيدلي.

ما الذي يدعم صحة الدماغ والذاكرة بشكل أفضل؟

لا يعتمد الحفاظ على صحة الدماغ على مكوّن غذائي واحد. النوم الكافي، والنشاط البدني المنتظم، والتغذية المتوازنة، والحفاظ على التفاعل الاجتماعي والنشاط الذهني عوامل أكثر منطقية من البحث عن «مكوّن سحري». ويمكن استخدام القرفة كنوع من التوابل ضمن هذا النمط الصحي، لا كبديل عنه.

الخلاصة

تقدم مراجعة 40 دراسة إشارات مثيرة للاهتمام حول القرفة والذاكرة، خاصة في الأبحاث الحيوانية والمخبرية، لكن الأدلة البشرية لا تزال ضعيفة ومحدودة. لم تثبت القرفة حتى الآن قدرتها على تحسين الذاكرة بشكل مؤكد أو الوقاية من مرض ألزهايمر. لذلك تبقى أفضل طريقة للتعامل معها هي استخدامها كتوابل ضمن غذاء متوازن، مع تجنب تحويل النتائج الأولية إلى وعود علاجية.

المصادر العلمية

فاطمة الزهراء المنصور

صحفية متخصصة في مجال الصحة منذ 14 عامًا، أهتم بمتابعة الموضوعات الراهنة، ولا سيما كل ما يتعلق بالصحة والطب.تشمل أبرز المجالات التي أتابعها وأناقشها بانتظام مع الخبراء: صحة المرأة، والأمراض، والأبحاث الطبية، والتغذية، وبصورة أشمل مختلف القضايا المرتبطة بالطب والصحة.كتبت العديد من المقالات في هذه المجالات لصالح موقع «مجلة موقعي»، إلى جانب مساهماتي في الصحافة المهنية المتخصصة في الطب والصحة. وقد تناولت في كتاباتي موضوعات موجهة إلى الجمهور العام وأخرى مخصصة للمهنيين، خاصة في مجالات التصوير الطبي والقطاع الطبي والاجتماعي.أحرص في عملي اليومي على مقارنة المعلومات الواردة من مصادر متعددة والتحقق من دقتها قبل نشرها، مع الاستعانة بآراء المتخصصين في الرعاية الصحية، ولا سيما الأطباء، بهدف تقديم معلومات موثوقة ومحدثة حول أحدث المستجدات والابتكارات في مجال الصحة والطب.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى